ابن عجيبة

512

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها . ثم قال : فالمراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح . ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم اللّه وأسرع في طاعة اللّه . » والمعنى : أكمل علما وعملا . ه . قال المحشى : ويتجه كون المعنى : أيكم أكثر شكرا للّه على تمهيد تلك المنافع والمصالح . والشكر يشمل الطاعات القلبية والبدنية . ويحتمل أنه كآية : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » . وأن بقاء الدنيا وخلقها إنما هو للتكليف ، فإذا لم يبق في الأرض من يعبد اللّه انقضت الدنيا ، وجاءت الساعة ، كما تقتضيه الأحاديث الصحاح « 2 » والمتبادر ما قدمناه ، وحاصله : أنه خلق الأشياء من أجل ابن آدم ، ولتدله على خالقه فيجنى بها ثمار معرفته تعالى ، ويعترف بشكره ، وإفراد عبادته . وقد جاء . « خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلى » . قلت : فيكون المعنى : هو الذي أظهر الوجود من عرشه إلى فرشه ، ليختبركم أيكم أحسن عملا بالاشتغال باللّه ، والعكوف في حضرته دون الوقوف مع ظاهر الكون ، والاشتغال بحسه ، مع كونه خلق من أجله . ثم قال : وقوله تعالى : ( وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ . . . ) الآية ، هو : تنبيه على أن إنكار الكفار للبعث بعد إقرارهم بأن اللّه تعالى خالق العالم ، الذي هو أعظم من البعث ، تناقض منهم ؛ لأن إقرارهم بقدرته على الأكبر ، ثم إنكارهم لما هو أيسر تناقض ه أي : ولئن ذكرت لهم البعث بعد الموت لقالوا ما هذا إلا سحر ظاهر . أي : ما البعث أو القول به ، أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان . وقرأ حمزة ساحر أي : القائل بهذا . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : في صحيح البخاري قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان اللّه ولا شئ معه ، وكان عرشه على الماء » الحديث . فأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم أن الحق جل جلاله كان في أزله لا شئ معه ، ثم أظهر الأشياء من نوره بنوره لنوره ، فهو الآن على ما كان عليه . وعن أبي رزين : قلنا : يا رسول اللّه ! أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : « كان في عماء ما فوقه هواء ، وما تحته هواء ، وخلق عرشه على الماء » « 3 » والعماء هو : الخفاء ، قال تعالى : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ « 4 » ، أي : خفيت . ويقال للسحاب عماء ؛ لأنه يخفى ما فيه ، وقال الششتري : في المقاليد « 5 » : كان في عمى ، ما فوقه هواء وما تحته هواء . هي الوحدة المصمتة الصّمدية ، البحر الطامس « 6 » الذي هو الأزل والأبد ، فلم يكن موجود غير الوجود الذي هو هو . ه .

--> ( 1 ) الآية 56 من سورة الذاريات . ( 2 ) ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض : اللّه اللّه » . أخرجه مسلم ( كتاب الإيمان ، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان ) . ( 3 ) أخرجه الترمذي في سننه ، ( كتاب تفسير القرآن ، باب : ومن سورة هود ) ، وحسنه . وأخرجه ابن ماجة ( المقدمة ، باب فيما أنكرت الجهمية ) . قلت : وهذا من حديث الصفات . نؤمن به ونكل علمه إلى اللّه تعالى . ( 4 ) من الآية : 66 من سورة القصص . ( 5 ) اسمه كاملا : المقاليد الوجودية في أسرار الصوفية . ( 6 ) يقال : طريق طامس ، أي : بعيد لا مسلك فيه .